الأحد، 29 مايو 2011

بيت من الأحلام

منذ عرفتك أصبح لي بيت .. رسمته في خيالي بيتا صغيرا بسيطا جميلا هادئا و دافئا .. تملأ جنباته همساتنا و كلماتنا و ضحكاتنا و احيانا مشاجراتنا الصغيرة التي ما تلبث أن تنتهي بكلمة أو بابتسامة أو بنظرة .. أثثته ليضمنا بين جنباته حبيبين و صديقين و عاشقين .. زرعت شرفاته بالورود ليكون عبيرها  أول هواء تتنفسه في الصباح مع أول ضوء للنهار يطل علينا  من نافذة حجرتنا.. و لأرى على وجهك تلك الابتسامة التي طالما أحببتها .. و كثيرا ما تمنيتها .. و غالبا ما ضننت عليّ بها ..   
اخترت له الاضاءات الخافتة و الألوان الهادئة الدافئة .. و أثاثا بسيطا مريحا يمنحنا مساحة من الفراغ المريح .. و زينت لك أركانه بالقطع الفنية و اللوحات التي تحب .. بحار و قوارب و أمواج و مروج خضراء و زهور و براري ..
رسمت بعناية شديدة لحظات عودتك من العمل منهكا و متعبا .. عبير الورود يتسرب بهدوء إلى جنيات المنزل .. الإضاءة هادئة .. البيت مرتب .. الطعام معد .. و أنا انتظرك بابتسامة .. أهمس في أذنك أوحشتني و أحبك .. و أتركك بعد ذلك لتتخلص من غبار اليوم و تبدل ملابسك .. في أثناء ذلك أعد المائدة .. و أنتظرك.
أرى على وجهك تلك الابتسامة المرتاحة و المريحة .. و ألمح في عينيك هذا البريق الذي طالما أحببته .. تسألني عن أحوالي و نتبادل حديثا هادئا و دافئا أثناء تناول الطعام .. و بعدها نجلس سويا في حجرة الجلوس نتقارب من بعضنا البعض .. تحكي لي عما أفرحك و ما أحزنك و ما أهمك طوال اليوم .. تسألني رأيي في بعض الأمور ثم تفعل عكسه في اليوم التالي .. لا يهم .. المهم أننا نستمتع بما نفعل و نقول سويا .. المهم أنك تأنس بوجودي ..المهم أننا معا .
منذ عرفتك و أنا أحيك خيوط هذه الصورة خيطا خيطا .. و أنقض منها أجزاءً و أغزلها مرة أخرى أجمل و أبهى .. و حلمت كثيرا باليوم الذي سيجمعنا فيه هذا البيت و نصبح سويا .. نتقاسم الضحكات و البسمات و الدمعات و الممازحات و الكلمات و الأفكار و المشاحنات .. نتقاسم كل شئ
أتعرف؟ .. إن أكثر ما آلمني منذ عرفتك أنك أبيت أن تشاركني هذا الحلم .. ضربت سياجا بيني و بينك لم أستطع أن أعبره إليك .. وددت كثيرا أن أعرف رأيك فيما حلمت به و لكنك دائما ما كنت تنجح في أن تجرجرني إلى مساحة أخري في الحياة بعيدا عن ذلك الحلم .. كنت أسعد أني أشاركك فيها .. و كان يؤلمني أنك لا تحب حلمي .. كان يؤلمني شعور بأنني عاجزة عن إثارة انتباهك لما أريد .. كنت أتساءل بيني و بين نفسي .. هل حقا تحبني؟ هل حقا تجدني تلك المرأة التي تود أن تحيا معها إلى نهاية العمر؟ هل أملك في نظرك ما يجعلك تحلم بي؟ هل أنا حقا امرأة تستحق رجلا مثلك؟
ظلت التساؤلات تطن برأسي و تتنامى إلى أن بهت الحلم و غامت صورته .. و اختفت أجزاؤه .. و أول جزء اختفى .. كان أنت .. بعدها انهار الحلم كاملا و أصبحت بلا بيت.

ملل يومي

الأيام تمر متشابهة .. قد يكون بعضها أكثر إيلاما من الآخر و لكنها في مجملها متشابهة .. تصحو على رنات المنبه .. تظل مترددة ما بين الصحو و النوم لمدة نصف ساعة و أحيانا لساعة كاملة .. ثم تنهض من سريرها متكاسلة بعد نقاشات طويلة بينها و بين نفسها تمتد أحيانا إلى أحلامها في تلك الغفوات المتقطعة بين كل رنة للمنبه و التي تليها " سأكلم مديري و أعتذر اليوم .. لا أرغب في البقاء بالمنزل .. لو بقيت فلن يسمح لي بالنزول .. إلى أين تذهبين ؟ فلنخرج سويا .. أنت كل يوم بالخارج" – مع أنها لا تذهب سوى إلى العمل ثم تعود إلى المنزل، كل صديقاتها أصبحن أمهات و لهن بيوت يُسألن عنها أما هي فلا زالت لدى أهلها  فمع من ستخرج؟ – ".. أفٍ لابد لي من الذهاب إلى العمل" .. هكذا تستكمل المناقشة .. ثم تعاود التفكير مرات و مرات و في كل مرة يقطعها صوت رنين المنبه إلى أن تسكته و تنهض .. تغسل وجهها و أسنانها .. أحيانا تطيل النظر إلى وجهها في المرآه و أحيانا أخرى لا تتذكر إن كانت نظرت إليه من الأساس .. في طريقها إلى حجرتها لاستبدال ملابسها تصطحب كوب ماء لتشربه على مهل و هي تنظر إلى قطع الملابس التي ملتها .. أيهم تضع اليوم .." عدنا إلى الحيرة المملة .. سأكلم المدير و أعتذر .. أو أستأذن في الذهاب متأخرة .. لا لن أفعل .. انتهى،  الوقت لا يسمح بهذا الهراء .. علىّ أن أسرع لأتجنب الخصومات" .. تمتد يدها إلى قطع الملابس التي ملتها .. تقلب فيها ثم تلتقط ما اتفق لها و ترتديه .. ها هو الحذاء .. الحقيبة .. الهواتف المحمولة .. المفاتيح .. تمام .. تبقى رشفة في كوب الماء تزدردها سريعا لتنطلق .. أحيانا تبدأ في ذلك الوقت حركة خارج حجرتها .. في الغالب يكون والدها .. "سيبدأ نفس الحوار اليومي
-(ألن تأكلي شيئا قبل النزول؟)
– ( لا، لا أستطيع و ليس هناك وقت عليّ أن أنطلق)
-  (إن أمك أعدت الطعام .. كلي أي شيء قبل أن تذهبي)
- (لن ينفع يا أبي .. إنني متأخرة )– تقولها بصوت حاسم لتوقف سيل الكلام فلا هي تملك المزاج و لا الوقت .. و الحوار مكرر و لا جديد في الأمر .. يتململ الأب و يغمغم بكلمات غير مفهومة .. غالبا ما تكون بعضا من تلك الشتائم الأبوية التي لا يمارسها سوى الأب المصري الأصيل.. بالنسبة لها ما عاد هذا الأمر يهم .. حينما كانت صغيرة كانت تؤلمها تلك الكلمات و أحيانا ما كانت تشعرها أنه لا يحبها ..
تنطلق مسرعة متمنية أن تجد الميكروباص بسهولة و ألا تقف طويلا أو تضطر إلى ركوب تاكسي تنقده عشرة جنيهات على الصبح .. و في رأسها أفكار كثيرة تبعث على الاكتئاب .. تحاول أن تتجاوزها فتنجح أحيانا و تفشل أحايينا .. تلقي بنفسها على الكرسي فيما توفر لها من وسيلة مواصلات .. و غالبا ما يتسلط صوت الكاسيت على رأسها المتعب الذي أجهدته الأحلام القلقة المتوالية طوال الليل .. ينبعث منه صوت إليسا، وائل جسار‘ حسين الجاسمي أو أيا كان .. ينبعث الصوت شاكيا أو باكيا أو حالما محبا .. كلها حالات عايشتها .. و كثيرا ما تعاودها الذكريات الجميلة أو الحزينة .. كلاهما أصبح مؤلما بالنسبة لها ..
ها هي تصل .. توقع و تتأكد من أنها وصلت في الموعد .. ترسم ابتسامة مصطنعة على وجهها و تلقي تحية الصباح على الزميلات و الزملاء .. تمازح بعضهم و تسأل عن أحوال البعض الآخر و ما بين هذا و ذاك تكون قهوتها قد أعدت .. تفتح جهازها البطئ و ترتشف رشفات من القهوة بعد أن تمررها تحت أنفها كما كان يفعل هو .. كان يمرر الفنجال تحت أنفه باستمتاع ثم يبدأ بشرب القهوة بعد أن تكون ابتسامة رضاً مؤقتة ارتسمت على وجهه ثم ما تلبث أن تختفي لتعود إليه تلك النظرة الزجاجية .. و يعاود وجهه الجمود .. "يا الله لم أذكر هذا الآن .. أفٍ لك من ذاكرة .. ماذا لو فقدتك بشكل انتقائي .. يا سلام .. وقتها سأختار أن أتخلص من كل هذا الألم لأكون أنا من جديد .. دعك من هذا العبث لديك بريدا يجب الرد عليه" تبدأ في ممارسة عملها بهمة أحيانا و بتكاسل أحيانا .. تختطف بعض دقائق لترى ما الجديد على الفيسبوك من أخبار و حالات الأصدقاء .. قد تعلق هنا أو ترد على تعليق هناك .. أصبح ارتباطها بالعالم الافتراضي أقوى من ارتباطها بالواقع .. " هنا الأصدقاء كثر و متواجدون و  متفاعلون .. إن لم يجب هذا فآخر يجيب أو يعلق .. لا حاجة لاستجدائهم .. لا حاجة لإجراء مكالمة هاتفية تستشعر خلالها انشغال الطرف الآخر فتنسحب في هدوء رغم احتياجها الشديد للكلام .. لا مواعيد و لا أعذار و لا اعتذارات .. كل سيكتب وقتما يتواجد و دائما هناك من يتواجد .. و من لن يعلق فلن يُلاحظ غيابه في كم التعليقات و الردود و الحالات المكتوبة و الأخبار الطريفة و السياسية و الاقتصادية .. تظل ما بين الهاتف و البريد إلى أن ينتهي يوم العمل بمشاكله و انجازاته .. و تبدأ رحلة صراع أخري .. " لا أريد الذهاب إلى البيت .. و لكن يجب أن أذهب .. لو تأخرت سأسمع كلاما يضايقني .. في هذه المرة سيكون من أمي  .. و هي لا تكتفي بالغمغمة كما يفعل أبي .. آه .. ستظل تؤنبني و توبخني تقول كلاما أحفظه عن ظهر قلب .. أمي توصف بأنها امرأة عسكرية .. كل شئ لديها يجب أن يسير وفق قواعد ثابتة وضعتها هي و آمنت بها و علينا أن نعتبرها السبيل للنجاة .. أحيانا أشفق عليها لأنها تبقى وحيدة بالمنزل طوال النهار .. و لكنني أنا أيضا أريد بعض التنفس .. أريد وقتا مع نفسي و هذا لا يوجد في بيتنا .. هذا أمل لا ينال في أسرتنا .. " أحيانا تؤثر السلامة و تذهب مباشرة إلى المنزل و أحيانا أخرى تترك لقدميها العنان تنطلقان في شوارع المدينة علّ الهواء و اختلائها بنفسها يهدئان من هذا المرجل الذي لا يتوقف عن الغليان بداخلها .. أحيانا تهدأ و أحيانا يطاردها الهاتف .. " هذه أمي .. ستسأل أين أنت الآن .. و سوف أجيب .. و سينطلق صوتها عبر الهاتف إلى أذني مؤنبا و مسفها و لائما , أحيانا شاتما .. ستنتزع محاولتي للهدوء من جذورها .. و ربما تريدني أن أبتاع لها شيئا في طريق عودتي .. هذا أيضا أحيانا يضايقني لأنه يصادر تلك المحاولة للهرب من الروتين .. يجب أن أحضر ما تريد و أعود سريعا إلى البيت"
تدخل من الباب تلقي التحية .. قد تستكمل الأم وصلة التوبيخ ان كانت قد تأخرت .. أو تمر هذه اللحظة في سلام ان كانت عائدة في موعدها المعتاد .. تبدل ملابسها.. تعد المنضدة للطعام .. تجلس و أمها .. تشرع أمها في الحديث عن يومها و ما دار فيه .. تستمع و ترد أحيانا .. تحاول الإبقاء على صمتها لأنها تخشى من انفجارة بين الفينة و الأخرى .. ينتهي الطعام .. تغسل الأطباق و تعد الشاي ثم تجلس الى كمبيوترها النقال تتصفح الجرائد أو تبحث عن معلومة تشغلها أو تتصفح الفيسبوك .. تواجه امتعاض أمها بالصمت .. ينتهي اليوم .. تستعد للنوم .. جسدها منهك و لكنها أيضا لا تريد النوم .. لم يعد النوم مريحا لها .. فبمجرد أن تضع رأسها على الوسادة يأتيها طيفه .. بحنان أو بقسوة  .. بذلك الوجه الزجاجي أو بتلك العينين العاشقتين .. في كل الأحوال هو عذاب .. فهي تشتاق إلى حبه .. و لا تحتمل قسوته .. كلاهما يعذبها .. الحرمان من حبه يعذبها .. و تحملها لقسوته لسنوات أيضا يؤلمها .. ما بين الألمين قد تذرف بعض الدموع .. و قد يمتد الألم إلى أحلامها .. فتراه دائما عازفا عنها كما كان لفترة طويلة .. و يؤلمها ثانيا و ثالثا و رابعا حتى في الحلم .. كأنما قرر أن يتسلط عليها إلى أن تموت .. تساءلت طويلا لم فعل بهما هذا .. تساءلت طويلا إن كان لم يحبها يوما فلم أتاها من المبتدأ؟ .. أسئلة تحير عقلها و لا أحد يعطيها الجواب الشافي و لا حتى هو- إن فرض و تحادثا ثانية- سيجيب و لن يجيب كما كان يفعل دائما يتركها لحيرتها معطيا إياها إجابات ليست إجابات .. إنما هي مزيد من علامات الاستفهام                                   

الجمعة، 27 مايو 2011

صندوق الذكريات


اليوم عادت الى صندوقها القديم ، حنينا غريبا كان يشدها الى ذكرياتها القديمة،
شيئا غريبا يحدث بداخلها تلك الأيام، شعور غريب يسيطر على أحاسيسها، شجن غريب يعزف لحنا يملأ أذنيها، يغير طبيعة نبضها، يشعرها باختناق أنفاسها دو ن سبب واضح، كأن قبضة تضغط برفق على قلبها لا تعتصره و لكنها تؤلمه. ما الذي يحدث لها ثم ما تلك الهواجس الغريبة التي تسيطر على فكرها؟
في آخر مرة التقت فيها مع صديقاتها شعرت بنفور غريب منهن، أحست بغربة شديدة حتى أنها لم تنطق حرفا الا لترد على سؤال وجه اليها و في الغالب هو سؤال عن أحوالها في العمل و في البيت و في الغالب كانت الاجابة بحمد الله كعادة الجميع في هذا المجتمع.
عادت الى البيت لتحتمي بجنباته من شعور الغربة فوجدتها أكثر غربة بداخله.. أين ستشعر بالانتماء اذا؟ ................
و في آخر مرة خرجت فيها مع والديها للاستمتاع بأحد عروض الأوبرا – و لكم استمتعت به – راودتها فكرة غريبة. هل سيأتي عليها اليوم الذي تجد نفسها مضطرة الى الاستمتاع وحدها دون صحبة آمنة أو مسلية أو دافئة ... هل سيأتي عليها اليوم الذي تفر فيه سريعا من دار العرض حتى لا يلحظ أحد أنها وحيدة ...  لم هي تخشى الوحدة هكذا و لم دائما تشعر بها و بالغربة؟ لم تفتقد دائما الأمان؟ لم تسري البرودة دائما في أوصالها .. برودة حقيقية تأكل جسدها النحيل و تترك فيه آثارا مشوهة .. طلبت لذلك دواء لدى الكثيرين و لكن كل الأطباء فشلوا معها .. و في النهاية أدركت أن ذلك الصقيع نابع من داخلها لا علاقة له بالجو انما هو ذاتها الخائفة تعبر عن احساسها..

حاولت ابعاد تلك الهواجس عنها، عادت الى فراشها مقاومة حنينها الى صندوقها القديم، القت برأسها على الوسادة و استلقت على جانبها الأيمن، حاولت أن تغمض عينيها، أحست بدفء الدموع يسري بداخل جفونها، قاومت البكاء و اعتدلت جالسة في فراشها، أضاءت النور مرة أخرى و توجهت الى صندوقها القديم علها تجد بداخله ما يسري عنها و يفرج تلك الانقباضة التي تؤلم قلبها.. و لكن ماذا ستجد في هذا الصندوق لا شئ سوى ذكريات لأحلام قديمة و قصص حب باءت جميعا بالفشل .. هل في ذلك ما يسري عن قلب حزين؟؟؟؟؟.....................

الخبر السعيد

أخيرا أغلقت الباب خلفها و أصبحت وحدها .. استندت على الباب بظهرها كأنما تتأكد من انغلاقه .. ثم اسندت رأسها الى الباب و حانت منها ابتسامة يصحبها شهيق طويل أعقبه زفير مريح و أغمضت عينيها لجزء من الثانية ثم اعتدلت واقفة .. ألقت حقيبتها و مفاتيحها على المنضدة المجاورة و توجهت الى حجرتها .. نظرت طويلا الى وجهها في المرآة .. كانت تعلوه ابتسامة هي مزيج من النصر و الفخر و الغنج و الدلال .. ـاملت وجهها و قوامها :انما تراهما لأول مرة  .ز تحسست خصرها بكفيها .. أزاحت الخمار و أسدلت شعرها .. فتحت صوانها .. و امتدت يدها تبحث عن رداء يبرز جمالها و أنوثتها .. ها هو .. بدلت ملابسها و هي لا تزال ترنو الى وجهها في المرآة الذي ما زالت تعلوه نفس الابتسامة مختلطة الأحاسيس .. و كان بريق أنثوي رائع يشع من عينيها .. تزينت و تعطرت .. خرجت الى غرفة المعيشة و لكنها هذه المرة لم تدر التليفزيون كعادتها بل جلست الى جوار الهاتف .. أمسكت به ثم تساءلت أتهاتفه؟ .." لا .. لن أهاتفه " و بينما هي تغالب نفسها لتبتعد عن الهاتف .. رن الهاتف .. و كان هو .. "هل أخبره؟ .. لا لن أخبره" هكذا كانت المناقشة تدور في رأسها حين انساب صوته اليها كأنما تسمعه لأول مرة .. هو أيضا شعر أن في صوتها اختلافا
-        ماذا بك ؟ - سألها
-        لا شئ .. عادي. – أجابت
-        في صوتك اختلاف ..
-        ربما .. و لكي لا يستمر في محاولة معرفة ما يحدث سألته: "هل ستتأخر اليوم؟"
-        أجاب: سأكون بالبيت خلال ساعة بإذن الله
-        سأنتظرك .. أحبك
جالت بعينيها في أنحاء البيت، و أحست بحيوية غريبة تدب في أوصالها و قررت أن تعدل بعض الأشياء لتضفي جمالا و اختلافا على المكان .. أضافت بعض اللمسات بالزهور و الأقمشة الملونة .. و أعدت المائدة .. و ها هو مفتاحه يدور في الباب .. تقافز قلبها من السعادة .. كأنها ستراه لأول مرة .. و تجمدت مكانها محاولة استجماع شتات نفسها الى أن ناداها بعد أن جال بعينيه في الردهة، و أعجبه ما رأى .
خرجت اليه مبتسمة ابتسامتها العذبة التي يعشقها ، رمقها بنظرة اعجاب مستفهمة .. و قال " كم تبدين جميلة اليوم " .. طبعت قبلة على وجنته .. و احتضنت كفه بين كفيها و قادته الى حجرتهما .. طلبت اليه أن يبدل ملابسه و يستعد لتناول الطعام ، و خرجت و أغلقت الباب خلفها دون أن تمنحه فرصة ليسألها السؤال الذي رأت في عينيه.  كان وجهها ينطق بسعادة طاغية ، و كان لعينيها بريق يخطف القلب.

جلسا الى المائدة .. كانت تنظر اليه بحب و سعادة .. كانت تنظر اليه نظرة امرأة .. أما هو، فكان يتفحص وجهها محاولا فهم ما يدور ..
-        "لكم تبدين جميلة اليوم! ":  قالها بصوت هادئ .. علت وجهها حمرة هادئة
-        سألها : "ما سر تلك النظرة في عينيك ؟ .. ما سر ذلك الغنج في صوتك؟ ما سر هذا الجمال الذي يشع من ملامحك ؟  "
ابتسمت في هدوء .. و أمسكت بكفه و احتضنته على بطنها .. و همست: " هنا يكمن السر، و كلما نما سأزداد جمالا و أنوثة .. و ستزداد أنت سعادة بي و به"
رمقها بنظرة متسائلة هل تعني ما فهم ؟ أجابت بإيماءة من رأسها  .. رفع يديها الى شفتيه و قبلهما .. و ربت عليها بحنان بالغ و قال:" لم أرك يوما بمثل هذه السعادة التي زادتك إشراقا و جمالا " .. أجابت مبتسنة ابتسامة ساحرة:" اليوم أشعر أني امرأة كاملة .. و سيظل هذا الشعور معي الى الأبد .. أعدك أن تراني كل يوم أجمل .. فقط عدني بأن تظل تحبني و تحب سرنا الصغير الذي ينمو بداخلي "

ضمها طويلا الى صدره و هو يربت على رأسها و كتفيها، و هي هادئة مطمئنة، مستمتعة بذلك الدفء.

القرار

الآن فقط انتهت من لملمة أشياءها.. وضعت حقائبها بجوار الباب و عادت الى الداخل.. كانت تنظر الى كل الأركان و الحوائط تفتش فيما تبقى من أشياء عن شئ يخصها.. ورقة .. كتاب .. قلم أو حتى حرف .. كانت تريد التأكد من أنها لن تترك من ذاتها و لو همسة في ذلك المكان تذكره بها.

نظرت جيدا في كل مكان.. لازالت ترى نفسها تشعر بوجودها داخل المكان في كل أركانه هي لازالت موجودة..
هل نسيت شيئا؟.. لابد أنها نسيت شيئا و لكن ما هو؟ راجعت كل شئ..أوراقها..أقلامها..أدوات الزينة خاصتها..ملابسها..كل قصاصة تمت لها بصلة لا شئ بقي .. كيف اذن لازالت تشعر بوجودها هنا.. عادت الى حقائبها فتشتها.. أخرجت ما فيها و أعادته مرات و مرات.. هي لم تنس شيئا واحدا.. و لكن.........
 ما هذا؟  أهي تشعر به داخل حقائبها؟ هل اصطحبت معها شيئا يخصه أو له علاقة به ؟ أعادت تفتيش الحقائب .. لا شئ يخصه لا شئ يشبهه فالأشياء تشبه أصحابها.. من أين يأتيها؟.. لم تشعر به في حقيبتها و تشعر بذاتها في بيته ؟
هل لازالت تريده؟ هل لازالت تود البقاء معه؟ لا يمكن فقرارها كان واعيا و واضحا لم تكن مترددة بين البقاء و الرحيل.. أخذت من الوقت ما يكفيها لتفكر و تقرر لم تجد بداخلها و لو همسة خافتة تتوسلها البقاء لا شئ البته يربطها به بعد الآن.

هل هي الذكريات الطويلة بينهما؟ ربما.. فقد أمضت من العمر معه ما يكفي لأن تعرف فيم يفكر الآن و ماذا يفعل و ماذا سيفعل حين يعود غدا و هي ليست بالبيت كما اتفقا.. أم هو الخوف؟ الخوف من الحياة الجديدة من مواجهة المجتمع و هي مطلقة الخوف من أن تشعر بأنها بحاجة الى أحضانه لتدفئها لتحميها من خوفها.. من ذاتها..( كما كانت تفعل من قبل و كما كان هو معها)..

جلست في ذلك المقعد بجوار فراشهما و أسندت رأسها الى ظهره.. تذكرت أشياء كثيرة.. منها ما جعلها تبتسم ومنها ما قبض ملامحها..ما أكثر ذكرياتهما معا!! و ما أكثر الأوقات التي احتاجت اليه فيها فكان معها كما تمنت و أكثر و كذلك كانت هي معه .. و لكن ما الذي حدث؟ .. ما الذي قتل المشاعر بداخلها؟.. لم لم تعد تشعر به؟.. لم أصبح عذابها الأكبر حين تمتد يده اليها سواء بمداعبة أو بما سواها؟.. لم لم تعد تطيق وجوده في البيت أو حتى سماع صوته؟؟ حاولت كثيرا التغلب على ذلك الشعور الغريب الذي تملكها و أصبح يحيل حياتهما جحيما.. حاولت باستعادة ذكرياتهما الجميلة معا.. و لكن المدهش أن مشاعرها تجاه تلك الذكريات ظلت مسطحة بلا معنى .. أو بلغة العلم.. متعادلة مثل تأثير المياه على ورق عباد الشمس..
حاولت بتغيير المكان.. بالبعد.. بالاقتراب و لكن..لا شئ أطفأ تلك النار المستعرة بداخلها كلما شعرت بتواجده في محيطها.. لا شئ يجدي
حتى في تلك اللحظات لا زالت النيران مشتعلة بداخلها. لكم شعرت بالغيظ و تملكتها رغبة مجنونة في احراق أشياءها حتى لا تراه و لا تشعر به.
 ما الذي أشعل تلك النيران؟
هل يمكن أن يموت الحب؟
 كلا انه لم يمت ولكنه تحول الى شئ بشع لا يمكنها أو يمكنه التعايش معه. لقد تمرد الحب بداخلها أو يمكن القول بأنه تسرطن فبدلا من أن يمنحها السعادة فيم تبقى من أيامها حول تلك الأيام الى جحيم.

نهضت و عادت تنظر الى أركان البيت و تساءلت هل يمكنها أن تعود اليه يوما؟ و هل سيقبلها برغم كل ما فعلت به؟

استدعت البواب ليحمل حقائبها و ألقت نظرة أخيرة على أيامها الماضية ثم أغلقت الباب بينها و بين الماضي و مضت الى حيث لا تدري ماذا ستواجه؟؟

هل ستعود أم أن هذه هي النهاية؟